سورية… عندما يتفق الجميع


فراس علاوي
لم تكن النهايات كما توّقعها شباب الثورة في سورية فجر إنطلاقها، عندما توّقعوا نهاية دراماتيكية للنظام تشبه ما حصل في مصر وتونس أو حتى كما حصل في ليبيا التي انتهى النظام فيها بعد أشهر قليلة، ست سنوات من الشدّ والجذب والكر والفر، مئات المجازر وبمختلف الأشكال والألوان، وبكل صنوف أسلحة الموت المسموحة والمحرّمة.
ملايين اللاجئين ومئات المدن المدمرة، تجسيد فعلي لشعار “الأسد أو نحرق البلد”. نعم النهايات لم تحكمها البدايات، لم تبق بيد من أطلقها، لا شباب الثورة بكل أطيافها، ولا نظام الأسد بكل عنجهيته وإجرامه .
انتقل الملف من يد إلى يد، حتى أمسكه الروس بقوة ليصبحوا أصحاب القرار، وكلّ ما يجري الآن هو صدى للخطة الروسية التي ربّما أصبحت الوحيدة على طاولة المجتمع الدولي، بقواه الدولية والإقليمية .
في خضم هذا الصراع الحاصل والأقرب إلى أجواء الحرب الباردة، وجد الروس أنفسهم في موقع قوة في سورية. لذلك، فقد بدأوا التصرّف بهوية الدولة المنتدبة أو المستعمرة، فقد صادرت جميع القرارات وجعلتها في يدها حتى بدا بشار الأسد ونظامه مجرّد تابع صغير لهم.
اعتمدت السياسة الروسية على التخويف من عدم وجود البديل الجاهز عن نظام الأسد، وبأنّ سقوطه سوف يدفع المنطقة إلى فوضى أكبر، وسيترك سورية لقمة سائغة للإرهاب، في محاولة لتصوير الثورة السورية بأنها مجموعات راديكالية، تبحث عن تحويل سورية إلى أفغانستان أخرى، ساعية إلى تقديم نظام الأسد شريكاً في الحرب على الإرهاب.
احتاج الروس سنتين وعدّة مؤتمرات واجتماعات في مختلف المحافل الدولية، لإقناع العالم بخطتهم، ومع تحفّظ بعض الدول، أدرج الروس مقولة الإرهاب أولاً، في إشارة أنّ هناك ما هو ثانياً، والإيحاء بأنّه مصير الأسد، وبذلك تضمن موافقة الدول المتردّدة، والموقف نفسه الأكثر تشدّداً تجاه الأسد ونظامه، وبذلك تكون قد أكملت المشهد الدولي، لتلتفت إلى المشهد الداخلي.
على الصعيد الداخلي، اتبع الروس سياستهم التي اتبعوها دائما في حروبهم، من حرب دعائية وبروباغندا إعلامية ضد الثورة، وتصويرها بمختلف صور الإرهاب والخيانة والوحشية، مع اتباع سياسة القضم التدريجي للمناطق.
مع النجاح في سياسة القضم هذه يكون النظام قد نجح في تأمين محيط العاصمة، وبالتالي، الانتقال إلى الجزء الثاني من الخطة، وهو إقناع العالم بأنّ الفصائل المقاتلة قوى راديكالية متطرّفة، حيث كان النظام يصرّ في كل هدنة على إفراغ المنطقة على أن يتجه المقاتلون شمالاً إلى إدلب، وما حولها، من أجل تصوير تلك الفصائل إرهابية.
تجميع الفصائل في الشمال مع التدخل التركي لتأمين الحدود، وبالتالي، السيطرة عليها وتقنين الدعم والتحرّك، يؤدي إلى تحوّل الثورة إلى حرب ضد الإرهاب، حيث تجبر تلك الفصائل على مقاتلة تنظيم الدولة، وربما الذهاب إلى هدن مع النظام، خصوصاً في حلب التي خسر فيها النظام وحلفاؤه كثيراً، وباعتبار تلك الفصائل جميعها منظمات إرهابية ومعاملتها على هذا النحو عن طريق استهدافها وتصويرها كجماعة أبو سياف الفلبينية أو طالبان الأفغانية.
بهذه الطريقة، يكون الروس قد فرضوا رؤيتهم للحل في سورية، كما حقّقوا شعار نظام الأسد، وضمنوا اجتماع العالم على الثورة السورية لإجهاضها، فهل يستطيع الروس تغيير حقائق التاريخ، بأنّه لم تفشل ثورة شعب آمن بها، ودفع من أجلها الكثير من الدم والمال والآلام، أم أنّ المتغيّرات الدولية فرضت نفسها؟
يستعجل الروس، اليوم، فرض حلّهم ورؤيتهم قبل مجيء إدارة أميركية لا تُعرف توجهاتها ولا رؤيتها لما يجري في سورية، في حين أنّ ما يجري على الأرض يسابق الزمن لإفراغ العاصمة، وتأمين محيطها، وفرض الأمر الواقع في طاولة المفاوضات القادمة.
ربما أتقن الروس لعبة الأمم، مستغلّين مغادرة الأميركان الطاولة، ولو فترة قصيرة. لكن، في مثل هذه الحالة قد تقلب الطاولة في لحظة ما، ويجد الجميع نفسه عند نقطة البداية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *